مقالات اخرى
نزيه خاطر: المثقف في بيروت يعيش كل الأزمنة في معاصرة واحدة  
"حبّ الغربان" يوميّات طفل يقف أمام بوّابات الذاكرة الموصدة  
"البلاغ الأخير" أسطوانة غازي عبد الباقي.. ليــس الجميــع زيــاد الرحبانــي  
يوميات (1909ـ 1971) لأليخاندرا بيزارنيك.. توتــر الصمــت العــالي  
نصـر حامـد أبـو زيـد بطـل التمـرد والنضـال الفكـري والحريـة حتـى المـوت  
أنا ياباني  
غسان زقطان: على فلسطين أن تتحرر من الاستعارة وأن تكون ببساطة وطناً عادياً  
الفالس الحزين لبول كلي  
فاروق عبد القادر المستقل الشجاع المعارض بألسنة زملائه  
الأسس المالية لعلم الجمال السماوي  
12345678910...
ملفات
 
 
16/07/10 GMT 12:10 PM
"سوق واقف" والوحدة والرغبات في قطر
 
محمد شرف
لا مكان للسياسة في قطر، وليس هناك من يهتم لأمرها. يخلّف واقع العيش، ظرفياً، في بلد بعيد عن السياسة شعوراً بالراحة لا يدرك مفاعيله إلا المجبرون على التمتع بمزايا «الديموقراطية التوافقية»، في وطن يسير على نهج لا يد لهم فيه، ولا تأثير لديهم عليه. المقصود هنا الهم المعيشي قبل سواه، وهو، في نهاية الأمر، الهم الأعظم والأشد وطأة. يدقع رهاب العوز أبناء البلد إلى أماكن يحتملون بالكاد قيظها، وينفرون من حديث السياسة فيها، إذ يصير المتحدث كمن ينكأ الجرح الذي قدم إلى بلدان الخليج لنسيان أسبابه.
الحرب على الجوع تقوم على مستويات عدة وتختلف أهدافها بتنوع الطموحات وتعددها. تتراوح التطلعات، في بلاد الغربة، بين الاكتفاء المتواضع الذي يكبت احباطاً مستتراً، والسعي المحموم نحو ثراء حظي به، سابقاً، من ضرب له الحظ موعداً وأسعفته الظروف من دون تقتير. هذا السعي نحو وفرة مادية غير واقعية أحياناً، يدفع المريدين صوب متاهات اليوتوبيا. يترجم الوقوع في المتاهة خطوات غير محسوبة تتناسى الواقع، وتشطح في التماثل مع الميسورين الكبار.
المعاينة، غير المقصودة في ذاتها أحياناً، لما يدور في الدوحة من ضروب السلوك البشري، وطرق سير الأمور، والنظر في أحوال الأمكنة، يخلّف صوراً وانطباعات يختلط فيها الواقعي مع شبه السوريالي، في مدينة لا تخلو من التناقضات، شأنها شأن أية مدينة خليجية تضم جيوشاً من الخليقة، القادمين للعمل من كل حدب وصوب.
السيارات وشؤونها
يبتاع العاملون في الدوحة من أبناء وطننا سيارات من طرز جديدة، تنحو صوب الفخامة أكثر من ميلها تجاه البساطة، ويدفعون أثمانها اقساطاً تثقل كاهلهم لفترات زمنية مديدة. يُقال إن أرتالاً من السيارات تُركت قرب مطار دبي، بعد نزوح أصحابها عن المدينة إثر الأزمة الاقتصادية المعروفة، بفعل انعدام القدرة على تسديد ما بقي من أقساطها للشركات المشتراة منها. من الصعب، بالنسبة للبعض، ان يقتني سيارة صغيرة، متواضعة وقليلة الحيل، في بلدان الخليج، وهو محاط بآلات شديدة البأس، عالية القدرة وممتعة للنظر، بعدما تفانى المصممون في رسم تفاصيلها، كي تحقق الغلبة في مجتمع استهلاكي يقوى على المنافسة. ويعتمد إغراء الزبائن.
عليه، يصبح للسياسة معنى آخر في الدوحة، إذ تتحول أسلوباً فردياً لإدارة عملية التعامل مع أمور الحياة اليومية، كإمكان الجمع بين امتلاك سيارة فاخرة وتناول طعام شهي، وتوفير بعض المال للعودة به إلى الوطن. إيجارات الشقق تصعّب المهمة المذكورة نظراً لارتفاعها، وإذ تتوازن الأمر مع قلة أماكن اللهو والتسلية والسهر التي يعتبر ارتيادها مكلفاً، تعود السيارة إلى الواجهة كعامل أساسي لترجيح كفة الميزان، ولخربطة الوضع المالي إلى غير رجعة. أما التخلص من هذا العامل، وتوخي راحة البال، فيعتبر أمراً مهيناً ضمن محيط تحتل المظاهر فيه دوراً غير ثانوي، إضافة إلى ان شراء سيارة حديثة يعتبر، في قرارة نفس القائم بالفعل شكلاً من أشكال التعويض الرمزي لحرمان ما في بلد المنشأ آن الأوان لمحاربته.. بطرق غير مدروسة.
قيادة السيارة في الدوحة سهلة وشائكة في آن من لم يعتد القيادة بحسب القوانين والمعايير الدولية سيجد نفسه في مأزق مرده إلى العادات المكتسبة، ذات الصلة بقيادة السيارة في بيروت، وفي لبنان عموماً. يعلم القائمون على «المرور»، كما تسمى هيئة إدارة السير هناك، أن سائقي بلدنا فوضويون وعبثيون، وربما علينا أن نقول البعض كي لا نظلم الجميع، وقد يعرفون أيضاً أنهم يتحلون بالانتهازية، احدى صفات مجتمعنا الأثيرة، التي تنعكس استهتاراً بمن يتبع القوانين وسخرية منه تتجسد تعدياً على أفضليته في المرور، نظراً لـ«عدم خبرته» وسذاجته. استناداً إلى ما تدرك، وما لا تدرك، تُخضع السلطات القطرية اللبنانيين وبعض العرب لامتحان في القيادة من أجل نيل رخصة سوق قطرية، في ظل عدم اعترافها بالرخص التي تصدرها سلطاتنا. هذا الامتحان لم يجتزه أحد بنجاح منذ المرة الأولى، وأحياناً الثانية، لدرجة ان نيل الرخصة، بعد عذاب أليم، يفرض على الفائز أن يقيم وليمة لأصدقائه، احتفاءً بالإنجاز العظيم.
بعد هذه الخطوة العسيرة يتحول حائز الرخصة سائقاً من الطراز الرفيع، ليتباهى، مع مرور الوقت، بعدم تعرضه لأية مخالفة مرورية. هذه المخالفة المرورية، أو قيمتها تحديداً، تقع في أساس الاحترام الفائق والمشبوه لأنظمة السير. وإذا كانت السرعة الزائدة، أو الوقوف في مكان ممنوع، يُعاقب عليهما بدفع غرامة «معقولة» تساوي 140 دولاراً، فإن اجتياز إشارة حمراء يُحتم على المخالف دفع غرامة مالية فلكية قيمتها 1600 دولار ونيّف. مبلغ كهذا يطوّر لدى السائق مهارات في القيادة ويقظة لا مثيل لهما. هذه اليقظة تدفعنا في وطننا كي نتنبه لقيادة سوانا لا لقيادتنا، ولهفواتهم المحتملة، وللحفر المخادعة على الطرق، ولخطورة الانزلاق لدى تساقط المطر، وللمارة الذين يتجاوزون الشوارع على هواهم، وللدراجات النارية البارزة من اللامكان والذاهبة في اللاإتجاه. في الدوحة تنسى هذه الأمور كلها، وتصبح وحيداً على دربك في مواجهة اشارات السير التي يصير التعدي عليها ذا عقبات مؤلمة، لا بل شديدة الإيلام.
سوق واقف
مركز مدينة الدوحة القديم عبارة عن ورشة كبيرة، وهي ليست إلا في بدايتها. الهدم جار على قيد وثاق وهو يطاول كل ما هو قديم وبال. تتخلص المدينة من أبنيتها العائدة إلى زمن يبدو، اليوم، بعيداً كل البعد عن الثوب الحديث الذي ترنو الدوحة إلى ارتدائه، وقد قطعت شوطاً بعيداً في هذا المجال. ما بقي في وسط المدينة، وهو الآن في طور الاختفاء التدريجي، يتناقض في شكل صارخ مع الوجه المعماري المميز لمناطق قريبة منه: أبنية من طبقة واحدة أو طبقتين تتلاصق من دون تناغم أو تطابق هندسيين، وتفتقر إلى أي اسلوب معماري. تذكر الأبنية القديمة المحيطة بطرقات ضيقة مع مكيفات الهواء البارزة من جدرانها ببلاد آسيا الفقيرة، ويتكرس هذا الشعور لدى رؤية سكان تلك البيوت الصغيرة، الذين يؤلفون جزءاً من المشهد العام: عمال هنود وبنغلاديشيون وباكستانيون يقفون بأزيائهم الشعبية التقليدية في جماعات صغيرة قرب المداخل الواطئة.
شُيّدت تلك البيوت في زمن لم تكن قطر تنعم خلاله بالمداخيل التي تؤمنها مواردها الطبيعية، أو في بداية استفادتها من ثرواتها المدفونة تحت سطحها. هذه العمارات، الشديدة التواضع، في طريقها إلى الزوال، من دون أن يُترك منها شيء للذكرى، إذ لا حاجة لذكريات من هذا الصنف، تنتسب مكوناتها إلى ماض يُراد له أن يُنسى. لا تدري ما الذي سيُشاد على أنقاض العمارات المدمّرة. نتصوره مختلفاً عن شاهقات منطقة «الدفنة» المغرقة في حداثتها وارتفاعها، والتي تشبه إلى حد ما مانهاتن النيويوركية في وقوعها على شبه جزيرة مستحدثة بفعل عمليات دفن مياه الشاطئ، من أجل بناء عمارات شاهقة لا غبار على أساليبها الحديثة، العاكسة لمنجزات تقنية لا نعرف الكثير عن طبيعتها الوظيفية، لكن الهاجس البصري حاضر فيها بقوة لا يمكن تجاهلها.
نتصور وسط المدينة، بعد إنجازه، مختلفاً عما ورد ذكره، وقريباً في أساليبه من المنطقة الباقية على حالها المسماة «سوق واقف». لم تتم المحافظة فقط على السوق القديم، بل قامت السلطات بترميم مبانيه التراثية القليلة الارتفاع، المتصلة مع الخارج من خلال واجهات طويلة تضم أروقة تطل على الساحات عبر أقواس منخفضة، سميكة الدعائم، ذات ألوان تتراوح بين الأبيض الفاقد للنقاوة، والأصفر الأقرب إلى لون المغرة الفاتح. لا تتوافق تسمية «سوق» مع الوظيفة الحالية لتلك الأبنية إلا في جزء منها. تشغل الحوانيت أمكنة تقع ضمن الزواريب المتفرعة من الطريق الأساسي، وتحتل أيضاً بعض زواياه. هذا الطريق الأساسي، الواسع، هو أقرب إلى ساحة ممتدة طولاً، تتوزع على جانبيها المقاهي، تاركة درباً في الوسط يسلكه المشاة. على هذا الاساس يصبح سوق واقف مكاناً للجلوس لا الوقوف، كما كانت حال البائعين القدامى الواقفين، التي تعتبر وضعيتهم تلك أساساً في التسمية المذكورة.
حين زرنا السوق، خلال فصل الصيف، لم نرَ اناساً واقفين أو جالسين أو متنقلين، باستثناء بعض الباعة القلائل. كان السوق يشبه الصحراء المحيطة بالمدينة في خلائها من البشر، وتحتل الأمكنة أشعة شمس لم يقوَ على احتمالها سوى عمال يقومون ببعض الأشغال، تعجب لما لديهم من قدرة على مجابهة قوى الطبيعة العديمة الرحمة. الصيف الذي ألفناه فصلاً للراحة والاستجمام والاسترخاء يصبح في قطر عبئاً ثقيلاً، يتجنبه من تسنح له فرصة الهروب إلى أمكنة أخرى. الايجابية الوحيدة للفصل اللاهب هو تدني عدد السيارات، نسبياً، في الشوارع والمواقف، عما هو في فصول أخرى.
يستيقظ سوق واقف من سباته الصيفي شتاءً، على عكس ما عودتنا قوانين الطبيعة. تختلف عندها تكاوين المشهد وعناصره: مقاه حديثة في اطار تراثي تتموضع على جانبي المساحة المفتوحة فتشغلها بالكامل، بحيث يصير هذا الجزء الوسطي حيوياً، مشكلاً المركز الذي كلما ابتعدت عنه قلّت أعداد الخليقة. يحاول الاثاث المستعمل في أمكنة الراحة تلك أن يتماشى مع الطابع التراثي التقليدي فينجح حيناً ويخفق أحياناً أخرى. المقهى، أو المطعم الذي يشكل وحدة متكاملة في هذا الاتجاه يؤمه قطريون وقطريات بملابسهم التقليدية الموحدة شكلاً ولوناً: أبيض للرجال وأسود للنساء، ويتناولون أطعمة كتبت اسماؤها، التي لا علم لنا بها وبمكوناتها، على لوحات، نجد صعوبة في قراءتها، وصعوبة أكبر في الإقدام على تذوقها لما يمكن أن تحتويه من توابل، لا نعرف مدى تأثيرها على معدتنا الحساسة والهشة. كنا نقصد مطعماً شبه مخبأ في الزواريب، ويديره إيرانيون لا يقدّمون للزبائن سوى اللحوم المشوية على أنواعها. يحمل اليك النادل خبزاً، لكنه لا يمدك بشوكة وسكين إلا إذا طلبتهما. صادف وجود مجموعة من السيّاح الفرنسيين قربنا، احتاروا بداية في كيفية طلب الطعام، نظراً لغياب القائمة، المعلقة على باب المدخل فقط، وباللغة العربية، تولينا طلب الطعام لهم بعدما سلموا أمرهم إلى أذواقنا، ثم احتاروا ثانية في كيفية تناول ما نصحناهم به، بحكم غياب الشوكة والسكين، فأرشدناهم إلى طريقة الأكل بقطع الخبز في شكل غير مباشر، من خلال تقليدنا، أو بالأحرى تقليد طريقتنا، وهو ما قاموا به بسرور. وفي ما كانت معركة على وشك الاندلاع بيني وبين صديقي، لدى نهاية الوجبة، على دفع الفاتورة من طرف واحد، كان أصدقاؤنا الفرنسيون يتقاسمون تسديد فاتورتهم قرشاً بقرش، ولولا الحياء لاستعانوا بآلة حاسبة لتقسيم المبلغ. لا تدري من منا كان على صواب، نحن أم هم، في تحديد سبيل دفع الحساب، فتلك مسألة «قومية» لا يمكن حلها بسهولة.
النراجيل سيدة الموقف في سوق واقف، كما هي الحال في أكثر من مكان وفي غير بلد. يجلس المدخنون بحيث تتجه نظراتهم، قدر الإمكان، صوب الساحة، كمن يشاهد فصلاً مسرحياً يتكون أبطاله من المتمشين بحذر، مخافة أن يركل أحدهم نارجيلة تعود إلى موقع متقدم على رصيف لا وجود له، فالمساحة المفتوحة مسطحة، لا ارتفاعات فيها. المتمشين كثر ويضيق بهم المكان، لكن أعدادهم، كما أعداد زبائن المقاهي، ستقل تدريجاً كلما ارتفعت درجة حرارة الجو، فشتاء قطر قصير ويشبه في امتدادة الزمني صيف بلدان الشمال الأوروبي: أيام معدودة تمضي بسرعة، يعقبها انتظار طويل يصعب تحمّل حرّه، أو برده.
الوحدة والمقهى والفتيات
من الصعب أن تمضي أيامك وحيداً في الدوحة. شروط هذه الوحدة متوفرة، وإمكان حدوثها شبه مؤكد. العيش الظرفي، الموسمي، في بلد له خصوصياته، لا يسمح بنسج صداقات جديدة ولا بتجذرها. العاملون في الدوحة، الذين يشكلون غالبية سكانها، لديهم أولويات واهتمامات جد محددة، أما أهل البلد الأصليون فقد لا تراهم إلا من خلال زجاج سياراتهم، أو في أمكنة عامة يقصدها الناس للتسوق في الدرجة الأولى.
لا تنتشلك من مستنقع الوحدة إلا صداقات قديمة صودف وجودها في المدينة، عدد هؤلاء الأصحاب قليل جداً، ولا تتناسب أوقات فراغهم مع أوقاتك. الوحدة في بلدان أخرى من العالم لا يكون لها الوقع ذاته، لا بل قد تصبح محفزاً للتأمل وربما للإبداع، إذا توفرت مقوماته. بعد يوم من العمل المنهك تصير القراءة والمطالعة من الأمور الصعبة، إذ لا تنزع النفس، إثر التعب، إلا نحو بعض الراحة والاسترخاء. علينا أن نغفر للعاملين في قطر استنكافهم عن القراءة. قلة من الناس تتصفح الجرائد والمجلات ليس إلا. لم نرَ أحداً، رغم زياراتنا المتكررة، يجول بين رفوف الكتب في «مكتبة جرير»، التي تتميز بشعارها «جرير أكثر من مكتبة» المدوّن بأحرف سميكة على لوحة إعلانية كبيرة يمكن ملاحظتها من الشارع المحاذي للمكتبة. يتجمع معظم الزبائن في الأقسام المخصصة للكومبيوترات والهواتف النقالة والألعاب، أو قبالة الرفوف، في القسم ذاته أو قربه، المثقلة بمنتوجات الصحافة الصفراء، ومجلات الأزياء ورياضة السيارات والديكور المنزلي.
لذا عليك أن تتفهم نظرة الناس المتفحصة والمستغربة إليك، لدى جلوسك في مقهى «الماندارين»، ذي الألوان البرتقالية، وأنت تطالع صحيفة، أو تدوّن بعض الأفكار على ورقة. النادل المصري الشاب، ذو القامة الممشوقة والبروفيل الجانبي الأشبه بشخصية خارجة لتوها من جدارية فرعونية، صار يعرفك جيداً. يقدم لك فنجان الاسبرسو المركز من دون أن تطلبه، إذ صار يعرف، أيضاً، أذواقك ونزوعك للجلوس إلى الطاولة نفسها، في حال لم يشغله عشاق الشاورما أو الفرانسيسكو. استقباله إياك، بابتسامة، منذ لحظة دخولك القسم المخصص للمدخنين في المقهى يفرمل حركة الصبايا الثلاث الأخريات، العاملات في القسم ذاته.
لم نكتشف ان الصبايا الثلاث، إضافة إلى زميلتهن الجالسة وراء الصندوق، صينيات إلا بعد مرور وقت طويل. لا يشير شكلهن، في طبيعة الحال، إلى انهن أوروبيات، لكننا اعتبرنا ان الفيليبين قد تكون مسقط رأسهن. وإذا كان الفضول ساورنا، متأخراً، فلأن اثنتين منهن، وربما جميعهن، جميلات. لكن هذا الفضول لم يتترجم سؤالاً أو محادثة، إذ كانت لغة الصبايا الانكليزية ركيكة، وتُلفظ بلكنة يتخللها طنين وشبه قرقعة يجعلان فهمها صعباً. أضف إلى ذلك ان تعليمات كانت أُعطيت لهن، ربما، بعدم إجراء محادثات مطوّلة مع الزبائن، منعاً لأي التباس أو سوء فهم لطبيعة عملهن. لذا كانت «علاقتنا» معهن رسمية إلى أبعد حد، ولم تخرج عن إطارها سوى زميلتهن الجالسة وراء الصندوق، الشديدة التبرج والمتأنقة من رأسها حتى أخمص قدميها، والتي لم تتوانَ عن مغادرة مكانها الأصلي، أحياناً، من أجل القيام بجولة في المقهى، كي لا يذهب ارتداؤها للملابس الأنيقة هدراً. كانت تلوّح لنا بيدها كلما دخلنا المقهى، وتبتسم كلما حانت منا نظرة نحوها، ما يشير إلى كونها مخولة القيام بتلك «الحركات»، التي لم نلحظ إن كانت مقتصرة علينا، أو موزعة على الجميع بقصد الحفاظ عليهم كزبائن دائمين. محادثاتنا معها كانت قصيرة للأسباب اللغوية الآنفة الذكر، ولم تصل إلى حد المواعدة التي يُعتبر حدوثها في الدوحة انجازاً نادراً لا يقوَ على تحقيقه الكثيرون.
وإذا كان هناك من سبب لهذا الحكم الصارم، فسيكون، بكل بساطة، ذاك التفاوت الهائل بين عدد الفتيات وعدد الشبان في المدينة، ما يجعل من ممثلات الجنس اللطيف كائنات ثمينة، ويصير علمهن بهذه الحقيقة الملموسة سبباً لشوف الحال والكبرياء. تنتقل عدوى الاعتداد بالأنوثة بين صفوف القادمات للعمل في قطر، بحيث لا توفر أحداً، فالطلب كثير والعرض قليل، ولا تتم تلبية الطلب إلا ضمن شروط قاسية لم نخض في تفاصيلها، لانشغالنا الشديد الموّلد للتعب الذي ينهي عن التجلد والصبر، والمتابعة الحثيثة لمهمة لا ثقة لنا بنجاحها.
في سعيهم لمعالجة هذا الواقع «المرير»، يعمد أبناء وطننا، وكثيرون غيرهم، إلى الزواج، بعد تثبيت أقدامهم في البلد. يزورون مسقط رأسهم خلال عطلة ما، وينتقون شريكة حياة من دون طول بحث وتفكير عميق. يوافقون على الحد الأدنى من التوافق والانسجام، للعودة إلى قطر مع كائن آخر، لا من أجل اشباع رغبة جسدية فقط، على ما تحمله من ضرورة بيولوجية، بل لمحاربة الوحدة التي يزداد ثقلها ووطأتها في أمسيات الصيف الطويل، حين يصبح الخروج من المنزل مشروعاً معقداً، والبقاء داخله، وحيداً، ضمن جدران أربعة مع مكيف هواء ونوافذ مقفلة، هو أشبه بالاستسلام لمنفى طوعي لا تقوى النفس على تحمّل قساوته.

(السفير)
© جميع الحقوق محفوظة للرأي نيوز 2006 - 2010
 برعاية