ملفات
 
رأي + رأي
أين نلتقي وأين نفترق؟
 
مرة أخرى، سأتحدث عن كيمياء دولة اسرائيل من داخلها، وبعيون اسرائيلية، عبر وثيقتين صدرتا في الأيام الأخيرة، واعتمدت في ترجمتها الى العربية على موقع أريج للثقافات الذي يديره متطوعاً الأخ والصديق توفيق أبو شومر، وهو متابع عميق للشؤون الاسرائيلية.
الوثيقة الأولى:
هي المقال الذي نشرته صحيفة معاريف الاسرائيلية في عددها الصادر يوم الجمعة الرابع من هذا الشهر، للسيد يوسي سريد رئيس حزب ميرتس سابقاً، وهو شخصية معروفة على نطاق واسع في اسرائيل وفي العالم وعلى نطاقنا الفلسطيني، المقال بعنوان " ليس لي أخوة"، يعلق فيه بشجاعة، ويسرد حقائق مذهلة، على مقولة " نتنياهو"، المستوطنون اخوتنا، ويستذكر يوسي سريد مقولة " بن غوريون " الشهيرة " من الصعب أن تكون يهودياً " لأن الاسرائيليين أصبحوا ضد العالم. ويستعرض يوسي سريد هذه التفاصيل اليومية من ممارسات المستوطنين الموغلة في الانحطاط الأخلاقي، وعربدة القوة الحمقاء، وتدني القيم الانسانية، مثل احراق حقول الفلسطينيين وكرومهم، والاعتداء على الأطفال الفلسطينيين وهم ذاهبون الى مدارسهم. بل ان المستوطنين يعتدون حتى على جنود الجيش الاسرائيلي أنفسهم، ويطاردون الذين يفتشون عن البؤر الاستيطانية ويعتدون عليهم، ومهاجمة وطرد العائلات الفلسطينية في القدس، ويدوسون على فلسطيني وهو جريح ويدهسونه مرتين بسيارة مرسيدس بيضاء.
هذا ملخص سريع لمقال يوسي سريد الذي نشرته صحيفة معاريف الاسرائيلية، أتمنى أن تنشره الصحافة الفلسطينية والعربية على نطاق واسع، وفي المقابل وفي الوثيقة الثانية وهي الفتوى التي أصدرها السنهدرين، وهو أعلى مجلس قضائي يهودي، والحكم في شؤون اليهود الدينية والسياسية والقضائية، والفتوى نشرتها صحيفة يديعوت أحرنوت يوم الجمعة أيضاً في الحادي عشر من هذا الشهر، وتطالب الفتوى بتقبل جميع السجناء الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية اذا لم يعد "غلعاد شاليط" سالماً، أو اذا قتل، كما تبيح الفتوى لاسرائيل اعتقال من تشاء من الفلسطينيين، وأن اطلاق سراحه مقابل اطلاق سراح القتلة من الفلسطينيين يعد استسلاماً! ويطالب السنهدرين في فتواه بعملية ثانية على غزة... الخ
بطبيعة الحال، الحكومة الاسرائيلية لن تستجيب علناً لمطالب السنهدرين، ولكن، من قال ان هذه الفتوى تحتاج الى موافقة أية حكومة؟ فإحراق المسجد الأقصى، ومذبحة القدس، ومذبحة الحرم الابراهيمي، واغتيال اسحاق رابين، وقتل الفلسطينيين وهم مقيدون بالأغلال، أو جرحى تنزف دماؤهم على الأرض، لم يتم بقرار من الحكومة، ولكن تم بهذا النوع من الحقن العنصري الحاقد، وهذا الانحدار الأخلاقي الهائل الذي يسيطر على دولة اسرائيل، ويجعل المستوطنين قوة منفلتة بلا حدود، وماذا بعد؟
استطيع أن أسرد ملايين التفاصيل في حياتنا الفلسطينية تدل جميعها على اللامبالاة، والتراجع المحبط، والانسحاب من حالة الكفاح والدفاع عن النفس الى نوع من هستيريا الاعجاب بالنفس! تعالوا وانظروا الى شوارع قطاع غزة، وساحاته، وأعمدة الكهرباء، وجدران البيوت والمنازل، فسوف تجدون مشهداً عبثياً طافحاً بالجنون والحالة الهروبية، آلاف من الأعلام تتزاحم على أعمدة الكهرباء، وجدران تتشابك فيها الشعارات الجوفاء، وساحات تغرق في التلاوين الاحتفالية، وضجيج ما بعده ضجيج، ولكن الذين بلا بيوت ظلوا بلا بيوت رغم قسوة الشتاء، والحصار يفرض نفسه سيداً مطلقاً على المكان، والحوار الوطني والمصالحة أصبحا بعيدين جداً عن العين والقلب، اننا مثل المريض الميئوس منه الذي يستفيق من الغيبوبة للحظات، فيتبادل أهله التهاني الفرحة وهم يعلمون أنها صحوة ما قبل الموت.
الانقسام والحصار وقعا في منتصف عام 2007، وهما بالمناسبة وجهان لعملة واحدة، فالحصار يصب في خانة الانقسام، والانقسام يصب في خانة الحصار، وكان الأمل وقتها ان كل ذلك سينتهي قبل نهاية العام، ولكن العام انتهى وغرقنا أكثر، ثم جاء عام 2008، وها هو العام 2009 يلفظ أنفاسه الأخيرة، فالى أين نمضي؟
أين نلتقي كفلسطينيين؟ وسط كل هذا الضياع الكبير، والافتراق الواسع، والوهم الشاسع، ألا توجد نقطة التقاء واحدة؟
أريد أن أقول لكم بصراحة ان اسرائيل الموغلة في انحطاطها السلوكي والأخلاقي ضدنا، والتي تنحدر صورتها باستمرار في العالم، ليس لها سوى هذا الانقسام الفلسطيني تأخذ منه شهادة حسن سير وسلوك، وصك براءة، فهل هذا معقول؟

 Facebook   Delicious   Digg   reddit   StumbleUpon ارسل هذا الموضوع
© جميع الحقوق محفوظة للرأي نيوز 2006 - 2010
 برعاية